ابن عساكر

50

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

وللفرزدق رحلة مع أبيه ، وهو صغير إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب « 1 » . قال الفرزدق : دخلت مع أبي على علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، وبين يديه سيوف يذوقها « 2 » ، فقال لأبي : من أنت ؟ قال : غالب بن صعصعة ، قال : ذو الإبل الكثيرة ؟ قال : نعم . قال : فما فعلت ؟ قال : ذعذعتها « 3 » النوائب والحقوق ، فقال : ذلك خير سبيلها ، من هذا معك ؟ فقال : هذا ابني همام ، وهو يقول الشعر « 4 » ، فقال : علمه القرآن ، فهو خير له « 5 » . سمي الفرزدق لشبه وجهه بالخبزة ، وهي فرزدقة . اسمه همّام . والفرزدق : الرغيف الضخم الذي تتخذ منه النساء الفتوت ، ويقال للقطعة من العجين التي تبسط فيخبز منها ، شبّه وجهه بذلك لأنه كان غليظا جهما « 6 » . قال الجارود : كان رجل من بني رياح له : ابن وثيل « 7 » - وكان شاعرا - أتى الفرزدق بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا مائة من الإبل ، وهذا مائة من الإبل إذا وردت الماء . فلما وردت الإبل قاما إليها بالسيوف يكسعان « 8 » عراقيبها ، فخرج الناس على الحمران والبغال يريدون اللحم ، وعلي ابن أبي طالب عليه السلام بالكوفة ، فخرج على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم البيضاء ، وهو ينادي : يا أيها الناس ، لا تأكلوا من لحومها ، فإنه أهلّ « 9 » لغير اللّه . كان بسر بن سعيد « 10 » من العباد المنقطعين وأهل الزهد في الدنيا ، وكان ثقة ، كثير

--> ( 1 ) الخبر في أنساب الأشراف 12 / 64 والأغاني 21 / 283 . ( 2 ) أي يفحصها ويختبرها ، من قولهم : ذقت القوس إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها ( انظر اللسان : ذوق ) . ( 3 ) ذعذعتها النوائب أي فرقتها . ( 4 ) في الأغاني : فقال : إن ابني هذا من شعراء مضر ، فاسمع منه . ( 5 ) في أنساب الأشراف : فإنه خير له من الشعر . ( 6 ) انظر أنساب الأشراف 12 / 65 والأغاني 21 / 276 وسير الأعلام 4 / 590 ووفيات الأعيان 6 / 99 وقال ابن خلكان والقول الأول أصح لأنه كان أصابه جدري في وجهه ثم برأ منه فبقي وجهه جهما متغضنا . القول الأول : أنه كان جهم الوجه . ( 7 ) بالأصل : « أثال » وفي تاريخ الإسلام : « أثيل » والمثبت « وثيل » عن وفيات الأعيان 6 / 86 وهو سحيم بن وثيل الرياحي ، وهو شاعر ، وكان رئيس قومه ، وانظر الأغاني 21 / 222 . ( 8 ) يكسعان أي يضربان ( اللسان : كسع ) . ( 9 ) يقال : أهل الذابح : رفع صوته عند ذبح الضحية باسم من قدمها قربانا له . ( 10 ) هو يسر بن سعيد مولى الحضرميين ، كان ينزل دار الحضرميين ببني جديلة . انظر أخباره في تهذيب الكمال 3 / 44 .